محمد علي الحسن
257
المنار في علوم القرآن
فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله ، والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه ، بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه ، فربما استعمل بمعان مختلفة كلفظ الهداية وغيره ، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية ، فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه ، وقد قالوا : إن القرآن يفسر بعضه بعضا ، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ موافقته لما سبق له من القول ، واتفاقه مع جملة المعنى ، وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته . ثانيها : الأساليب ، فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة ، وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته ، مع التفطن لنكته ومحاسنه ، والعناية بالوقوف على مراد المتكلم منه . نعم إننا لا نتسامى إلى فهم مراد اللّه كله على وجه الكمال والتمام ، ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به بقدر الطاقة ، ويحتاج في هذا إلى علم الإعراب وعلم الأساليب ( المعاني والبيان ) ولكن مجرد العلم بهذه الفنون وفهم مسائلها وحفظ أحكامها لا يفيد المطلوب . ترون في كتب العربية أن العرب كانوا مسددين في النطق ، يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع ، أتحسبون أن ذلك كان طبيعيا لهم ؟ كلّا وإنما هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة ، ولذلك صار أبناء العرب أشدّ عجمة من العجم عندما اختلطوا بهم ، ولو كان طبيعيا ذاتيا لما فقدوه في مدة خمسين سنة بعد الهجرة . ثالثها : علم أحوال البشر ، فقد أنزل اللّه هذا الكتاب وجعله آخر الكتب ، وبين فيه ما لم يبين في غيره ، بيّن فيه كثيرا من أحوال الخلق وطبائعهم ، والسنن الإلهية في البشر ، وقص علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسننه فيها ، فلا بد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم ، ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوة وضعف ، وعزّ وذلّ ، وعلم وجهل ، وإيمان وكفر ، ومن العلم بأحوال العالم الكبير ، علوية وسفليه ، ويحتاج هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه . قال الأستاذ الإمام : أنا لا أعقل كيف يمكن لأحد أن يفسر قوله تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ . . [ البقرة : 213 ] .